الخميس، يناير 17، 2008

11- في ذكرى عاشوراء عبرة وتهنئة

في ذكرى عاشوراء :

{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} (56) سورة طـه

توقفت كثيرا عند هذه الآية حين حكى الله سبحانه وتعالى قصة موسى عليه السلام وفرعون حين أرسل الله موسى عليه السلام ومعه الكثير من المعجزات إلى فرعون وقومه ومع ذلك لم يؤمنوا وكان رد فرعون : {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ ... } (57- 58) سورة طـه .

هكذا هو الإنسان :

يصر على أن يلقى بنفسه في هاوية الضلال . فقد جاء موسى إلى فرعون وقومه بالآيات والمعجزات من عند الله " فَكَذَّبَ " فرعون هذه الآيات وادعى ان موسى ساحر " وَأَبَى " أبى أن يفكر في ما يقوله موسى ، أبى أن يفكر في احتمال أن موسى على صواب ، أبى أن يفتح عينه وسمعه وقلبه لما جاء به موسى عليه السلام والسبب في ذلك أن حب الدنيا وحب السلطة وحب المال وحب الجاه وحب السلطان كلهم قد طـَغوا على قلبه حتى صار لا يرى غيرهم ولا يسمع سواهم فقال : " أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا " فهكذا هو تفكير الإنسان الدنيوي والمتدني في الوقت نفسه حين يبتعد عن الله عز وجل .

حرب على الدعاة :

ويبدأ فرعون حربا إعلامية شرسة على موسى وأتباعه وتأخذ هذه الحرب أكثر من صورة :

فمرة يسخر من موسى ويكذبه : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (38) سورة القصص وأيضا : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ... } (36- 37 ) سورة غافر

ومرة أخرى يسعى إلى التقليل من شأن المؤمنين فيقول : {إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } (54- 56) سورة الشعراء

وتارة يسعى إلى إحراج موسى أمام الناس : {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ ... } (58) سورة طـه

وتارة يحاول التأثير على الرأي العام ضد موسى واتباعه : {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} (39- 40) سورة الشعراء

وتارة يسعى إلى وضع موسى في موقف المنكر للجميل : {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (18) سورة الشعراء

وتارة يسعى لإظهار موسى ومن آمن معه في موقف المتآمر على النظام وعلى الشعب : {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } (71) سورة طـه وأيضا في الآية رقم (49) سورة الشعراء بنفس اللفظ

وتارة يسعى لإرهاب المؤمنين عسى أن يرجعوا عن دينهم : { ... فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} (71) سورة طـه وأيضا : { ... لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} (49) سورة الشعراء

وتارة يستخدم تأثيره وسلطته على الناس ليفرض عليهم رأيه : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي } (38) سورة القصص وأيضا : {قَالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (34- 35) سورة الشعراء

وتارة يدعي أنه حريص على الناس وعلى مصالحهم : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (26) سورة غافر

وكل هذا يفعله فرعون حتى يصرف الناس عن الداعي إلى الله عز وجل .

قد يفلح الظالم :

وقد يفلح فرعون في أن يؤثر على بعض الناس أو كلهم وأن يجعلهم في صفه سواء بالترغيب او بالترهيب وربما يفلح فرعون في أن يضطهد الدعاة والمؤمنين ويضيق عليهم حياتهم ولكن هذا لايعفي من تبعه من المسئولية عن ضلاله وكفره وإعراضه عن دين الله عز وجل .

وهكذا الظالم في كل مكان يسعى ليهدم ما يبنيه المصلحون والدعاة إلى الله عز وجل وقد يمنعه الله من هذا الهدم وقد يعطيه الله القوة من عنده ليهدم لأنه سبحانه يعلم أن هذا الهدم فيه مصلحة للدين وللدعاة إلى الله سبحانه وتعالى .

وهكذا يضلهم الله :

هكذا أضل الله عز وجل فرعون : {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} (37) سورة غافر وهكذا أضل فرعون قومه وسلك بهم طريقا إلى جهنم وبئس المصير : {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} (79) سورة طـه فهو يأتي بهم يوم القيامة إلى ويقودهم إلى النار كما قال الله عز وجل : {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} (98) سورة هود

وهكذا أضل الله فرعون ببطانة السوء التى أحاطت به من كل جانب حتى أوردته الهلاك {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (127) سورة الأعراف

وهكذا جعله الله عز وجل قدوة لمن يأتي بعده من الظالمين الذين يقدمون السلطة على الدين أو يقدمون المال على الدين أو يجعلون الدين في أي مرتبة غير المرتبة الأولى التى يجب أن يكون الدين فيها : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ} (41) سورة القصص

ويأتي العاشر من المحرم :

وتمر بنا هذه الأيام ذكريات عاشوراء بما تحمله من أفراح وأحزان :

تأتي عاشوراء وفيها ذكرى نجاة موسى عليه السلام والمؤمنين معه من فرعون وجنده فقد روى الإمام البخاري رحمه الله بسنده في الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا ، يَعْنِى عَاشُورَاءَ ، فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ ، وَهْوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى ، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ . فَقَالَ « أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ » . فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ .

تأتي عاشوراء لتذكرنا بيوم كان مفروضا صيامه على المسلمين ثم سقطت فرضيته بفرض صيام شهر رمضان كما روى الإمام البخاري بسنده في الصحيح عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ ، فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ » .

تأتي عاشوراء وفيها ذكرى موقعة كربلاء واستشهاد الحسين بن على رحمه الله تعالى على يد الظالم عبيد الله بن زياد وذلك في عام 61 هـ فهذه الذكريات وغيرها ذكريات تبعث على الحزن والفرح وفيها من المعاني والعبر الكثير

دروس من عاشوراء :

· دعوة الله عز وجل تهون دونها النفوس والرقاب : فقد ضحى السحرة بأرواحهم في سبيل الله عز وجل : {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (72) سورة طـه وضحى الحسين في سبيل الله عز وجل وهو ينشد قائلا :

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

وآسى الرجـال الصـالحين بنفسـه وفارق خوفاً أن يعيش ويرغما

فدعوة الله لا ترتفع إلا على أجساد ودماء وتضحيات أصحابها ورحم الله الشهيد سيد قطب حين قال رحمه الله : "إن كلماتنا تبقى عرائس من الشمع لا حياة فيها، فإذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة " .

· مهما طال الظلم فلابد له من زوال وقدرة الله عز وجل دائما وأبدا فوق قوة البشر فقد أهلك الله عز وجل فرعون ليكون فيه العبرة والعظة للمؤمنين والظالمين على السواء : {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} (92) سورة يونس

  • كل إنسان مسئول امام الله عن نفسه ولن يتركه الله عز وجل لأن الظالم أجبره على أن يسلك طريق الضلال فحتى وإن كان : {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} فإنهم كلهم إلى النار : {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ } ومن المؤكد أيضا عند كل مسلم يؤمن بالله عز وجل : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (48) سورة النساء ، {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا } (116) سورة النساء

· تأتى عاشوراء لنتذكر دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم : « أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ » . ( صحيح البخاري ) فالمسلمون أولى بكل صالح من غيرهم ولا يصح أبدا أن نترك ما يفيد وما ينفع المسلمين لأن أصحابه غير مسلمين .

· تأتي عاشوراء لنتذكر دائما إصرار فرعون وعناده الذي سجله الله عز وجل في القرآن الكريم : {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} ونتذكر جميعا أن الله عز وجل يرسل لنا الآيات والعبر لنتعظ منها ولتكون دافعا لنا للالتزام بنهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (165) سورة النساء ونتذكر أن الله عز وجل يقيم علينا الحجة كل يوم بقرآن بين أيدينا وبحديث للنبي نحن نقرؤه ويكفي كل إنسان حجة عليه يوم القيامة : {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (15) سورة الإسراء

ذكرى عاشوراء تأتي وهي تحمل معاني كثيرة معظمها في كتاب الله عز وجل ولكن مشكلة كثيرين أنهم لا يقرأون القرآن وإن قرأوا فهم لا يفهمون ما فيه وإن فهموا فهم لا يعملون بما فيه نعوذ بالله عز وجل أن نكون من هؤلاء

ولا تنسوا صيام الخميس والجمعة لما رواه الإمام مسلم بسنده في الصحيح : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ – أي للعام المقبل - لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ». ومن فاته صوم يوم الخميس فيمكن أن يصوم يوم الجمعة ويوم السبت لما رواه الإمام البخاري بسنده في الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « لاَ يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ » .

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هناك تعليقان (2):

سارة بندارى يقول...

جزاكم الله خيرا على هذا الكلام الطيب

ولو انى مش قريته للآخر

أبو أسامة يقول...

سارة البنداري
جزاكم الله خيرا على المرور
وأنصحك تقرأيه مرة تانية سواء هنا أو على شباب وبس لأن الخلاصة في الآخر
ومعلش أنا عارف إن هو طويل
لكن والله مش كان قصدى
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته