الاثنين، فبراير 15، 2010

حينما يعلو صوتنا

* مقال في علنية النقد وأسبابها.

---------------

بين الحين والآخر تثار قضية علنية النقد الذاتي ومدى صوابه أو خطأه ، ويحاول كلا الطرفين – المؤيد والرابض لهذه العلنية – أن يفرض على الآخر رأيه بكل ما يملك من وسائل وذرائع .

وأنا أرى أن أهم ما يعتمد عليه الداعمون لعلنية النقد هذه هو ان هذا هو الأمر الواقع أننا ننتقد علنياً بالفعل وأن يجب على الجميع أن يقرّ بوجود هذه العلنية قبل أن يبدأ في معالجتها أو التعامل معها.

وكذلك أرى أن أهم ما يعتمد عليه الرافضون لعلنية النقد هو أن هذه العلنية ما هي إلا خرق للسفينة من الداخل وهدم للبناء وشق للصف ، وهذه المبررات في حقيقتها ما هي إلا استدعاء تلقائي لحمية وعصبية الكثير من المهتمين بالإبقاء على الجماعة وبناءها الداخلي قبل النظر إلى أي اعتبارات أخرى .

ولست هنا بصدد مناقشة رؤيتي لهذه المبررات من الطرفين ، وأنما أنا معنيٌ هنا بالبحث في ما يدفعنا – كمنتقدين علنيا – إلى اللجوء إلى هذه العلنية بموازاة المسار الداخلي أو ربما تجاهل المسار الداخلي والاكتفاء بالنقد العلني .

وفي رأيي أنه إذا سلمنا بحسن النية وتركنا أمر البحث في النوايا إلى من يعلم بها – سبحانه وتعالى – فإنه لا يبقى أمامنا إلا أن نتجاوز الاتهام باتباع هوى النفس أو السعي وراء الشهرة أو السمعة أو حتى المال أو غير ذلك من الاتهامات التي لا أصل لها ولا يقوم عليها دليل ولا تستحق النظر فيها فضلا عن تكلف عناء الرد عليها .

وعليه فإن البحث الموضوعي في أسباب علنية النقد يؤدي بنا إلى الأسباب التالية :

1- الإعذار إلى الله عز وجل .

2- الحرص على الدعوة .

3- تداول الأفكار .

4- التغلب على المعوقات الإدارية .

وفي رأيي أن هذه الأسباب الأربعة هي أهم ما يجعلنا نلجأ لعلنية النقد ونعمد إلى رفع صوتنا أمام الجميع بما نريد إعلانه من اعتراضات .

1- الإعذار إلى الله عز وجل :

قال الله عز وجل :{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ، وقبل أي شئ أنا أؤكد أن الاستشهاد هنا – يقينا – ليس إلا بقول الله عز وجل :{ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} ولا يعني ذلك على الإطلاق أننا نضع الآخر في خانة : { قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} .

كل القضية أننا نؤدي ما نراه واجبا شرعيا وفريضة دينية من التنبيه إلى الخطأ إسقاطا للفريضة عن أعناقنا أمام الله عز وجل أولا وقبل أي شئ آخر .

2- الحرص على الدعوة :

مما لا شك فيه – عندي – أن جماعة الإخوان المسلمين الآن هي من أهم ركائز العمل الإسلامي ليس في مصر وحدها وإنما في كل العالم . ولا شك عندي أن ضعف الإخوان المسلمين يعني يقينا ضعف العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية .

وأحسب أن من يرفعون أصواتهم بالنقد علنا من الإسلاميين – سواء من الإخوان المسلمين أو من غيرهم – هم جميعا حريصون على دعوة الله عز وجل ويسعون هم أيضا مثل غيرهم من العاملين للإسلام إلى تطوير وتحديث آليات ووسائل العمل للإسلام بالشكل الذي يرونه صحيحا من وجهة نظرهم .

3- تداول الأفكار :

من أهم ما يميز علنية النقد هو أنها تتيح المجال لمناقشة الأفكار وتداولها على نطاق واسع بما يعطي إمكانية كبيرة لتصحيح هذه الأفكار وتنقيحها إن تم التعامل مع هذه الانتقادات على نحو صحيح .

وتداول الأفكار هو أمر لا يمكن تحقيقه بشكل جيد داخل إطار تنظيمي ما زال محكوما – في كثير من الأحيان – بعقلية ترى أن مجرد تداول الأفكار الانتقادية في غير المستويات الإدارية المعنية بها هو تكوين لجيوب انشقاقية تسعى لتفجير الجماعة من الداخل .

وأما إذا تم الاكتفاء بتداول الانتقادات داخل المستوات الإدارية المعنية بها فقط فهذا وحده كفيل بقتل أي محاولة لتداول الأفكار ، حيث يتم الاكتفاء – في أحسن الأحوال – بالتحقيق في هذه الانتقادات والبت فيها إما بحفظها لحين الحاجة إليها أو برفضها من حيث المبدأ ، دون أي محاولة حقيقية لإجراء حوار خارج المستويات الإدارية المعنية لإدراك طبيعة هذه الانتقادات ومدى صحتها .

4- التغلب على المعوقات الإدارية :

في كثير من الأحيان يكون من أهم أسباب اللجوء إلى النقد العلني كبديل عن النقد الداخلي أو موازيا له أن النقد العلني يُواجَه في كثير من الأحيان بالعديد من المعوقات التي ربما يأتي على رأسها ما يلي :

· تعنت المسئول :

في بعض الأحيان يكون تعنت المسئول سببا في تعويق مسارات النقد الداخلي أو ربما تعطيله تماما في بعض الأحيان .

ومن أهم مظاهر تعنت المسئول ما يلي :

- أن يشترط المسئول المباشر اقتناعه بهذا النقد حتى يقبل – متنازلاً ومتفضلاُ – أن يقوم برفع هذا النقد إلى المستوى الإداري الأعلى .

- أن يشترط المسئول غير المباشر موافقة المسئول المباشر على هذا النقد حتى وإن كان هذا النقد الداخلي موجّها ضد ذلك المسئول المباشر .

- في حالة حدوث شكوى ضد المسئول المباشر إلى المسئول الأعلى إدارياً فإنه كثيرا ما يتم الاكتفاء بإنكار المسئول المباشر (المشكي في حقه) كمبرر لإغلاق الموضوع دون أي محاولة للتحقيق الجدي في الأمر .

- أن تكون كثرة الانتقاد الداخلي مبررا كافيا عند بعض المسئولين لاستبعاد هؤلاء المنتقدين من العمل داخل الإطار التنظيمي إما بشكل غير رسمي أو بشكل رسمي ، والأخير – الرسمي – قليلا ما يحدث داخل الجماعة .

· غياب التغذية العكسية :

وأعني بهذا أن النقد الداخلي في كثير من الأحيان لا يكون له إلا مسار واحد من أسفل إلى أعلى ولا يوجد – غالبا – أي رد رسمي أو غير رسمي على أي انتقاد يتم تقديمه في المسار الداخلي الرسمي .

وربما يبدو هذا الغياب مشتركا بين النقد الداخلي وذلك العلني ، إلا أن النقد العلني يتوفر عنه بميزة مهمة سبق الحديث عنها وهي تداول الأفكار ومناقشتها .

· النقد بعد اتخاذ القرار :

من أهم المعوقات الإدارية التي تمنع الكثيرين من اتخاذ الإطار التنظيمي الداخلي كمسار للنقد هو أن هذا النقد مسموح به ربما قبل اتخاذ القرار لكنه في كثير من الأحيان مرفوض بعد صدور القرار ، ربما بسبب سوء فهم لمصطلحات إدارية وتنظيمية وشرعية مثل الثقة والشورى والانضباط التنظيمي .

ونتجاهل في كثير من الأحيان أن كثيرا من القرارات يتم اتخاذها في مستويات إدارية ضيقة ولا تتجاوز في كثير من الأحيان مجلس الشورى العام أو ربما لا تتجاوز مكتب الإرشاد ، وبالتالي لا يصح منع من لم يؤخذ رأيه في القرار قبل صدوره أن يعترض عليه وينتقده بعد صدوره .

الخلاصة

إننا حين يرتفع صوتنا بالنقد لسنا نسعى لشهرة أو سمعة أو رياء أو حتى نسعى لشق الصف أو بلبلة الأفكار أو إثارة النزاعات والانشقاقات كما يدّعى البعض .

وإنما نحن حين نرفع صوتنا فإننا نفعل ذلك لأننا نرى أن لدينا المبررات المنطقية لذلك ، وقبل ذلك لأننا نرى أن هذه العلنية هي حقٌ طبيعيٌ لنا لا يحقّ لأحد أن يسلبنا إياه .

وإن جماعة تعلن ليل نهار أنها تسعى لمزيد من الانفتاح على المجتمع ، حريٌ بأفرادها أن ينفتحوا على أنفسهم وأن يتقبلوا وجود أفكار مخالفة داخل نفس البناء التنظيمي ، ويفترض بهم أن يقوموا بمناقشة هذه الأفكار وتصحيح ما بها من أخطاء ، لا أن يتم إقصاءها واستبعادها من الإطار التنظيمي دونما أي حوار حقيقي متكافئ مع أصحابها.

هناك 6 تعليقات:

لورنس العرب يقول...

أتحدث عن النقد العلني بعيدا عن جماعة الاخوان

المشكله في النقد العلني هو مستقبلي هذا النقد من الناس
فما ان يرى الناس البعض يختلفون علنا حتى يشعروا على الفور بأن هؤلاء ضعفاء وبينهم خلافات من النوع الكبير
يعني المشكله ليست في النقد العلني بقدر ما هي في ثقافة من يسمع بان هناك نقد علني وعدم تقبله لمثل هذا الأمر تماما
وهذا ما لاحظته في الفتره الاخيره
عندما قالوا ان هناك خلافات داخل الحزب الوطني وخلافات داخل جماعة الاخوان المسلمون بدأ الناس يتحدثون عن التفكك
وهذا لأنهم غير معتادين على سماع أشياء مثل هذه
والنقد أو الخلاف العلني في وجهات النظر يعطي للناس صوره سيئه عن من يختلفون - هكذا يرى هؤلاء-
ولهذا السبب في مجتمع مثل هذا لا أرحب بالنقد أو الخلاف العلني لأن ثقافة الناس لا تتقبله

العسكري عتريس يقول...

اه يا دنيا فيها البطاطا بقرش ساغ .. وسع يا ابنى وسع .. لعمك مصعب .. قول يا حليم قول .. متعنا بدندنتك

محمد خيري يقول...

تحليل رائع ومتميز

مصعب رجب يقول...

لورنس العرب :
أتفق معك في تحليلك ولكن أنا أرى أن دور المثقفين هو تغيير ثقافة المجتمع وتوجيهها في الاتجاه الصحيح الذي يجعلها تتقبل هذا النقد العلني ولا تجد فيه أي مشكلة .
تحياتي
-------------------
عتريس :
هس ياد .. مش انت بقيت من الجماعة اللى صوتهم واطي ؟ بتتكلم ليه بقى ؟
--------------
محمد خيري :
جزاكم الله خيرا

العسكري عتريس يقول...

انا ما بقتش من الجماعه اصلا هههههههه

غير معرف يقول...

اخوك سامحى مصطفى

التعليق موجود ايضا على المقال فى الفيس بوك

بسم الله الرحمن الرحيم

الاخ الحبيب مصعب دائما ماتحرجنا بمقالاتك الرائعه التى على الاقل اكون سعيدا حينما اقرأها
بداية موضوع رائع وسرد طيب من اخ مثقف وواعى وقارئ جيد
وأحييك على هذا الموضوع

حينما قرأت الموضوع بدا لى فى البداية انك تتحدث عن موضوع عام من عنوان الموضوع ولكن حينما قرأت الموضوع تبين لي انك تتحدث عن هذه الجماعه المباركة الميمونه
واجبنى تحليلك الرائع للموضوع

ولكن لى تعليق بسيط جدا عن نقطة تعنت المسئول
وماتفضلت به من مظاهر تعنت المسئول … وأقول بفضل من الله اننا جماعة تعتمدى على تبادل الاراء والاستماع الى الرأى الاخر والاخ الذى ينتقد امرا ومعه مبرراته- وضع تحت مبرراته خطوطا كثيرة - يكون من الاخوة الافاضل الذى لايرضى ان تكون قرارت اخوانه واوامرهم عبارة عن انها مسلم بها بل يناقش وينتقد من باب الحرص على الدعوة – وانت تعلم ذلك جيدا – والاخ المسئول الذى لايرفع رأى اخيه الى المستوى الادارى الاعلى حتى لو كان رأيا ليس له فائده فيأثم ويحمل وذرا …. وموضوع رفع الشكوى فىالمسئول وخلافه اعلم حفظك الله وبارك الله فيك ان اخوانك يدرسون الموضوع جيدا لدرجة عالية وان لم نشعر بذلك ويتخذون الاجراءات اللازمة تجاه هذا الاخ المشكو فى حقة وان اتضح انه على خطأ يحاسب امام اخوانه
اما موضوع كثرة الانتقادات الداخلى والاستبعاد وغيره .. ارى ان هذا الموضوع مستبعد تماما طالما انه مبنى على المبررات والحجج والبراهين والادلة وحتى وان لم يكن مبنى على ذلك فلا يستبعد

موضوع التغذية العكسية … انا اخبرك بأمر حدث لى شخصيا .. انتقدت امرا من الامور وطالت من اخوانى ان يأتونى بالرد والمناقشة لهذا الامر بالفعل جائنى الرد وناقش الاخوة وتم ارسال الرد الشافى .. فلابد ان تعلم ان كان الموضوع يسيطر على ذهنك وعقلك فاعمل عمل النحلة التى تزن حتى تحصل على ماتستطيع فى جو من الحب والاحترام والحرص
واعلم اخى حماك الله ورعاك وليعلم كل الاخوة وخاصة الشباب انه اذا طلب امرا من اخوانه او انتقد امرا او اراد استفسارا عن امر وطلبه من مسئوله المباشر ولم يجبه فليذهب الى المستوى الاعلى فالاعلى وسيجد الجواب الشافى حتى لو رفع الامر بنفسه الى مكتب محافظته او حتى مكتب الارشاد
نقطه اخيره … اخى الحبيب انا اتعامل هكذا مع اخوانى ومع جماعتى وهذا الذى لابد ان تتعامل به
وانا ارى هذا الموضوع من الزاواية التى ارى جماعتى بها وانت ترى رأيك من الزاويه التى ترى بها الاخوان جماعتك
وكلنا واحد فى الاخوان ولكن الكل ينظر من الزاويه التى يرى منها
من الممكن ان يكون رأيك حدث معك ومع خمسة عشرة الف الفين من الاخوان ولكن ليست ظاهرة
وايضا الذى حدث معى من الممكن انه حدث مرة مع عشره مائة الف الفين ولكن ليست ظاهرة
فلماذا لايكون هذا منهجنا فى نظرتنا لجماعتنا ولأخواننا
اخوك المحب لك / سامحى مصطفى