حركة الجهادية ... حركة القسام ونواة الثورة *
الشيخ عز الدين القسام هو من مواليد قرية جبلة في سوريا ، شارك في الثورة العربية ضد الاحتلال الفرنسي لسوريا ( ثورة صالح العلي ) وكان من قياداتها ولذلك حكم عليه الفرنسيون بالإعدام ولكنه نجح في الهرب إلى فلسطين ** قبل تنفيذ الحكم . 
تعلم القسام الكثير من تجربة صالح العلي في سوريا ولذلك قبل أن يدعو إلى ثورة أخرى في فلسطين بدأ أولا بدراسة واقع الناس في فلسطين قبل دعوتهم إلى قتال مسلح مع الاحتلال البريطاني أو مع اليهود .
في فلسطين مارس الشيخ القسام أربعة أدوار رئيسية فكان :
مدرسا في المدرسة الإسلامية .
ورئيسا لفرع جمعية الشبان المسلمين في حيفا منذ عام 1926 .
وإماما وخطيبا لمسجد الاستقلال في حيفا .
ومأذونا شرعيا متجولا في قرى شمال فلسطين .
وقد أتاحت هذه الأدوار للشيخ القسام أن يكون على اتصال دائم بكل شرائح المجتمع وخصوصا طبقة العمال والفلاحين في شمال فلسطين .
اعتمد الشيخ القسام على اختيار الأشخاص بعناية ووضعهم في خلايا تنظيمية وتربوية كل منها تضم خمسة أفراد وفي نفس الوقت كلها تعتمد على السرية في العمل ولا تعلم إحداها شيئا عن الأخرى .
وخلال ثلاث سنوات كان تشكيل إخوان الجهادية يضم اثنتي عشرة حلقة تعمل كل منها منفصلة تماما عن الأخرى . 
حتى عام 1935 كان القسام قد نجح في تأسيس تنظيم عسكري يحتوى على 200 مقاتل كلهم ليده القدرة على القيادة وليس فقط مجرد القتال ، وقد وزعهم الشيخ على خمس لجان هي لجان : الدوة والدعاية ، والتدريب العسكري ، والتموين ، والاستخبارات ، والعلاقات الخارجية .
اعتمد الشيخ القسام على غرس القيم والمفاهيم الإسلامية في اتباعه ويمكن أن نقول أن جهادية القسام كانت أول تنظيم فلسطيني ينطلق من أسس عقائدية في الجهاد ضد المحتل إلى جانب المنطلقات القومية والوطنية السائدة حينها في المجتمع والشعب الفلسطيني .
اعتبر الشيخ القسام أن العدو الأول هو الاحتلال البريطاني وليس فقط الصهيونية ليسبق بذلك على المستوى الفكري والتنظيري وعلى المستوى العملي الكثير من الحركات الوطنية الفلسطينية التي كانت ترى في بريطانيا طرفا محايدا يمكن التعاون معه لتحقيق مكاسب عربية وقومية وهي الرؤية التي أثبتت الأيام عدم صحتها .
اعتمد القسام في البداية على المدينة ( حيفا ) لينشئ فيها تنظيمه بين المتعلمين والأكثر استعدادا للتنظيم والانضباط من أهل الريف ، ولكنه حين قرر أن يبدأ العمل المسلح نقل الصراع إلى الريف حيث تضعف قبضة السلطة المحتلة ويتوفر الأمان والدعم المادي في الجبال والقرى عنه داخل المدينة . 
بعد محاولات عديدة مع الشيخ أمين الحسيني مفتي القدس للقيام بثورة مسلحة وبعد رفض متكرر من المفتي وتفضيله للحل السياسي والدبلوماسي على الحل العسكري قرر الشيخ القسام أن يفجر الثورة وحده بواسطة جماعته الجهادية التي كانت قد انتشرت حتى قرب نهاية عام 1935 بشكل جيد في شمال فلسطين .
انعقد آخر اجتماع تنظيمي لجماعة القسام في 12 نوفمبر 1935 حيث تقرر خروج العشرات من الجهادية إلى قضاء جين للتحريض على الثورة ودعوة الشعب للاشتراك بها ولقيادة الجماهير الثائرة .
ما حدث أنه وعند خروج القسام و24 من رفاقه لدعوة الشعب للمشاركة في الثورة قام أحدهم بقتل شرطي صهيوني مما دعا قوات البوليس البريطاني لمحاصرة عدد من القرى بحثا عن القاتل مما أفقد القسام وجماعته عنصر المفاجأة حيث كان ينوي مهاجمة حيفا فيما بعد .
في 19 نوفمبر 1935 جرت معركة حربية بين القسام ورفاقه من جهة وبين البريطانيين واليهود من جهة أخرى ، كان كل مجاهد من القساميين يقاتل وحده ما يقارب الأربعين من الجنود البريطانيين واليهود .
ومع الأخذ في الاعتبار الفارق الكمي ( العددي ) والنوعي ( التسليح ) بين كلا الفريقين ، فإن القسام ورفاقه فضلوا القتال والاستشهاد على الاستسلام ، وبعد أكثر من 6 ساعات متصلة من القتال والصمود كانت النتيجة استشهاد الشيخ القسام وأربعة من رفاقه وهروب بعض الباقين وتم القبض على بعضهم ليعدم مجموعة منهم ويسجن آخرون .
تحولت جنازة القسام ورفاقه والتي خرجت من مسجده الذي كان يصلي بالناس فيه ( مسجد الاستقلال ) إلأى مظاهرة ضخمة مكونة من 20 ألف شخص هتفت بسقوط الانجليز واليهود .
خلال خمس شهور فصلت بين استشهاد القسام ورفاقه وبين قيام الثورة كانت الجهادية القسامية قد نجحت في التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف مرة أخرى ليسفر هذا الترتيب الجديد عن اختيار الشيخ فرحان السعدي ( 78 سنة ) قائدا عاما للجماعة خلفا للشيخ القسام .
في 15 أبريل 1936 قامت مجموعة جهادية قسامية بقيادة الشيخ فرحان السعدي ( القائد العام – 78 سنة ) بهجوم مسلح على سيارات يهودية على طريق نابلس – طولكرم لتقتل ثلاثة منهم وتجرح آخرين لتكون هذه الحادثة هي الشرارة الأولى للثورة .
تحولت جنازة قتلى اليهود إلى مظاهرة واعتداءات ضد العرب أدت إلى وقوع قتلى من العرب .
تحولت جنازة الشهداء العرب إلى مظاهرة أخرى تلاها إضرابات واعتصامات وعمليات قتل ومهاجمة للبريطانيين واليهود ومستعمراتهم لتكون الثورة التي استمرت ثلاث سنوات ( 1936 – 1939 ) ولتؤكد أن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين هو بذل الدماء والكفاح المسلح وأن التحركات السلمية ليس لها أي قيمة دون مقاومة ضاغطة على الأرض .
--------------------------
* المقال يعتمد بشكل كبير على بحث كتبه الأستاذ أحمد عاطف وعنوانه : حركة القسام : المقدمة الحقيقية للثورة ، ونشر في كتاب : ثورة 1936 الوطنية الفلسطينية – تحرير : عبد القادر ياسين .
** المقصود بكلمة فلسطين في أي موضع من هذا المقال هو أرض فلسطين التاريخية .