الخميس، مارس 27، 2008

20- أمي التي أعرفها - الحلقة السادسة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اليوم الحلقة السادسة من الحديث عن أمي رحمها الله عز وجل واليوم أتحدث عن ما بقي لي من
لقد كانت أمي رحمها الله مدرسة بكل ما تحمل الكلمة من معاني ورحم الله القائل
أمي رحمها الله عز وجل .
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبا طيب الأعراق
وأنا أحسب أن عوامل نشأة أمي رحمها الله وعوامل تربينها قد أعدتها إعدادا يجعلها ممن يدخلون في إطار هذا البيت من الشعر .
لقد تعلمت من أمي الكثير كما تعلم منها غيري كثيرون وما تعلمته من أمي ربما لا يكون كلاما محددا ولكن أثره يظهر عمليا حين أجد نفسي في مواقف أتذكر حينها إحدى نصائح أمي والتي غالبا ما تكون على صواب ولكن ما أريد أن أتحدث عنه فقط هو أربعة عناصر كان لأمي رحمها الله الفضل الأول فيها رحمها الله تعالى .
ما تعلمته من أمي
تعلمت من أمي رحمها الله الكثير ومن هذا الكثير :
قيمة القرآن الكريم - العلوم الشرعية - القراءة والكتابة - الخطابة

أولا : قيمة القرآن الكريم :

أهدتني أمي رحمها الله تعالى مصحفا كتبت لي في أوله :
ابني الغالي ... وحبيبي ... ونور عيني ... :- أهديك هذا الكتاب : إنه نور الدنيا والآخرة فبالله عليك ... اتخذه لك نورا ... يكن لك عزا . ( اضغط على الصورة للتكبير )
رحم الله أمي كانت كلماتها القليلة تحمل من المعاني الكثير والكثير :
هذا القرآن نور الدنيا والآخرة واليوم صرت أحفظ قول الله عز وجل : "
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) " المائدة ( 15-16) هذا القرآن نور الدنيا والآخرة واليوم صرت أعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم : « اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ ». رواه الإمام مسلم بسنده من حديث أبي أمامة الباهلي .
اليوم صار هذا الأمر مؤكدا لي أكثر مما كان مؤكدا من قبل واليوم صرت أؤمن أن ما قالته أمي وما أوصتني به كان صوابا .
أوصتني أمي : اتخذه لك نورا يكن لك عزا : ووالله ما هنّا على كل الأمم وما هانت قيمتنا على أنفسنا إلا بعد ان ابتعدنا عن مصدر النور الرباني وهو القرآن الكريم ... والله أنا على يقين أن عزة هذه الأمة لن تكون إلا بعودتها إلى كتاب الله سبحانه تعالى كما قالت أمي رحمها الله : اتخذه لك نورا يكن لك عزا .

ثانيا : العلوم الشرعية :

بحكم دراستي الأزهرية فقد كان من المقررات الدراسية علينا بدءا من الصف الأول الإعدادي علوما شرعية هي العلوم التالية : النحو – الصرف – الأدب والنصوص – البلاغة – التفسير – الحديث – التجويد – العقيدة – الفقه . وكان من أهم هذه العلوم التي أحتاج إلى توضيح بعض النقاط الغامضة فيها علم الفقه ، وفي المرحلة الإعدادية كنا ندرس كتاب الفقه الميسر للشيخ السيد الطنطاوي ( شيخ الأزهر ) وفي المرحلة الثانوية كنا ندرس كتاب الإقناع في حل ألفاظ متن أبي شجاع وهو كتاب في الفقه على المذهب الشافعي . وكثيرا ما كنت أتوقف أمام الكثير من المسائل المختلفة في أبواب الفقه وخصوصا في فقه الطهارة وفقه الصلاة وكانت أمي رحمها الله خير عون لي على تفهم مثل هذه المسائل فكانت تشرح لي ما أتوقف أمامه وأحسب ان هذا العمل كان مما دفع المرء إلى التعمق أكثر وأكثر في مجال العلوم الشرعية وأنا أحسب أن أول من أدين لهما بالفضل فيما أعلمه من العلوم الشرعية بعد الله عز وجل هما أمي رحمها الله وخالي الأستاذ عبد الخالق كامل فجزاهما الله عز وجل عني خير الجزاء .

ثالثا : القراءة والكتابة :

علمتني أمي رحمها الله ان أقرأ في أي مجال ولأي كاتب وقد كنت في مرحلة من المراحل يمكن أن تسموني : دودة كتب كنت أقرأ أي شيء عن أي شيء في أي وقت وكنت كثيرا ما أتناقش مع أمي رحمها الله فيما أقرأ وكانت توضح لي بعض ما يغيب عني وكانت توجهني إلى ما أريد من مصادر تزيدني معرفة في موضوع معين أسألها عنه . والحمد لله عندنا مكتبة متوسطة الحجم ولكن فيها من الكتب القيمة ما يرفع قيمتها كثيرا وكانت أمي تنصحني بالقراءة كثيرا لأن هذه القراءة هي المصدر الأساسي للمعرفة ومهما تنوعت المصادر فإن نهايتها في كثير من الأحوال إلى القراءة .
ومن أهم الكتب التي لم أكن لأكمل قراءتها دون دعم امي وتشجيعها كتاب التاريخ الشهير :
البداية والنهاية للإمام ابن كثير رحمه الله فما كنت لأكمل قراءة هذا الكتاب ( 13 جزء ) دون ذلك الدعم المعنوي والتشجيع من أمي رحمها الله . لذلك أنا أنصح الجميع بالقراءة صغارا وكبارا وأنصح كل الأمهات والآباء ( وخصوصا الأمهات ) بتشجيع الأبناء على القراءة لأنها ( القراءة ) تعلم القارئ الكثير والكثير .

رابعا : الخطابة :

الحمد لله لقد حصلت على المركز الثالث على مستوى الجمهورية في الإلقاء والخطابة مرتين حتى الآن : مرة في 2006 والثانية في 2008 ( هذا العام ) والمرتين من خلال المسابقات التي تقيمها وزارة التعليم العالي لطلاب المعاهد العليا والجامعات . وأنا أذكر أن أول ما تعلمته في فن الخطابة كان من أمي رحمها الله فقد كان أبي ( منذ زمن مضى ) خطيبا وكنت أستمع لأمي رحمها الله وهي تصحح لأبي بعض ما وقع فيه من أخطاء أثناء الخطب . وحين بدأت الحديث في المسجد في الخواطر في شهر رمضان وكنت تقريبا في الصف الثاني الثانوي كانت أمي تستمع لما قلت ثم توجهني إلى الأصح كما كانت تنقل لي تعليقات الكثيرات ممن لم يكن متاحا لي أن أتعرف مباشرة إلى آرائهن . ورحم الله أمي كانت تشجعني إلى الحديث في أي مكان حتى ولو لم يكن هو المكان أو المسجد الذي اعتدت الحديث فيه . كنا يوما نفطر في بلد أمي ( صفط زريق ) في رمضان وبعد الإفطار وقبل الذهاب لصلاة التراويح اقترحت أمي علي أن أتحدث للمصلين في فترة الاستراحة بين الركعات وأخبرتني أن من يتحدث في أحد المساجد يمكنه أن يتحدث في كل المساجد وأنني ينبغي أن أنقل للناس ما أعلمه من الدين وإن قل وبالفعل تحدثت للناس يومها وأذكر انني قد حدثتهم عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «
أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ».ومن الطرائف أنني يومها كنت أقرأ هذا الحديث من صفحة كاملة من كراسة في يدي ورغم ذلك فقد استجاب الناس للحديث وكان هذا مشجعا لي أن أتحدث بعد ذلك مرات ومرات . واليوم أنا أخطب الجمعة في أحد المساجد وأنا أقول أن الفضل الأول في إزالة الرهبة من المنبر يعود بعد الله عز وجل إلى أمي رحمها الله تعالى .

أنا أقول في نهاية الحديث أنه إذا كان من نصيحة إلى الأمهات فهذه النصيحة هي أن تبحث كل أم عن مهارات أبناءها وتنميها وتوجهها في الاتجاه الصحيح لأن هذا التوجيه هو ما يبقى في نفوس الأبناء مهما طال الزمن .

إلى هنا أكون قد انتهيت من الحديث عن أمي وإن كان الحديث عن امي حديث لا ينتهي لكن يبقى أمران مهمان :

الأول : أن من يبقون في الذاكرة يبقون ليس لأسمائهم وإنما لأعمالهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو له رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة وقال حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأنا أحسب ان أمي رحمها الله قد تركت اثنين على الأقل من هذه الثلاثة ولذلك أنا أقول أن سيرة أمي تبقى بين الناس طالما بقى من تعلموا منها أي شيء وطالما قام هؤلاء بنقل ما تعلموه إلى غيرهم .

الثاني : أن حديثي أنا عن أمي قد انتهي ولكن يبقى المجال مفتوحا لمن أراد أن يكتب عن أمي رحمها الله وأنا أعلم أن الكثيرين كان لهم مع أمي رحمها الله مواقف لا تنسى والآن أدعوهم ليكتبوا هذه المواقف كما يريدون .

جزاكم الله خيرا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هناك 7 تعليقات:

أميمة كامل يقول...

جزاك الله كل الخير

تأثرت جدا بالكلمات التى كتبتها المرحومة لك وهى تهديك المصحف

جزاها الله خيرا وجعله فى ميزان حسناتكم جميعا

خبيب يقول...

رحمها الله

وتقبل منها .. وأسكنها جنتها

---

تدوينة جميلة جدا

بوركت أخي الكريم

---

بالمناسبة .. قرأت بحثك ، واستفدت منه كثيرا فجزاك الله خيرا

فليعد للدين مجده يقول...

لقد تركت لك والدتك رحمها الله نورا فتمسك به يكن طريقك الي عز الدنيا والآخرة.

doaa يقول...

جزاك الله خيرا يا مصعب على هذه التدوينة الرائعة..جميل جدا ان ارى بعيني وفاء واخلاص من ابن لامه بهذا الشكل
فكلنا يحب امهاتنا ولكننا نخبئ هذا الحب في قلوبنا دون ان نظهره وكذلك بالنسبة لابائنا طبعا
ويا ليت الشجاعة تواتينا لننقل لهم في حياتهم حبنا لهم وامتنانا لما يقدمونه لنا
احب ان ارى من ابني ذات يوم لمحة حب تريح قلبي ان نبتي قد اكرمني الله بها وانبتها نبتا حسنا
فما اصعب على قلب اب او ام مثل خيبة امل في فلذة كبد
لكنك احزنتني عندما قلت ان كلامك عن والدتك رحمهاالله قد انتهى
راجع نفسك
فاكيد هناك الكثير لتنقله لنا
وراع امثالي ممن سمعوا عنها فقط
ولم يروها
بس راجع نفسك بعد الامتحانات يا باشمهندس
في حفظ الله

خديجة عبدالله يقول...

رحم الله خالتو الكريمة وجزاها الله عنكم جميعا كل خير

ما أجمل تربية الإسلام هي الدرع الذي يحمي عبر الأيام دوما بإذن الله

وما أحلي أن تبحث الأم عن موهبة ولدها وتنميها وتقر في نفسه خدمة دينه وأمته بها نفع الله بك

وما أرقى أن تهدي الأم ولدها مصحفا ما أجملها هدية وما أعلاها من قيمة

حضرتك قرأت البداية والنهاية ماشاء الله ماشاء الله دعواتك لنا لنكمل جزء واحدا فقط :)

تأثرت بخالتو مما حكي لي الناس عن مواقفها معهم وحكت عنها أبلة( خديجة حسنى )الكثير ولذلك أحببتها حتي من دون أن أتعامل معها بصورة شخصية أو تحادثنا حديثا فرديا

ولكن تعاملت مع أبنائها حضرتك وجهاد وشفاء فعلمت كيف ربت فجزاها الله عنكم كل خير

فمن أحبه الله وضع الله المحبة في الأرض فيحبه خلقه ..
وفقكم الله ودمتم بخير

أبو أسامة يقول...

دكتورة أميمة كامل :
جزانا الله وإياكم كل خير
سعدنا بزيارتكم لنا

ــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور الباز :
جزاكم الله خيرا على تشريفكم لنا بالزيارة والتعليق ... في انتظار المناقشة التي وعدتني بها حول البحث .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور إيهاب :
اتفق معك في كل كلمة وربنا يجعلنا جميعا من أهل القرآن .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
مدام دعاء :
جزاكم الله خيرا
ربنا يرزقك إن شاء الله بر محمد ويجعله من الصالحين .

أما بالنسبة للحديث عن أمي فقد انتهي حديثي ولكن الحديث عن أمي ممتد لا ينتهي وانتظروا منا المزيد بعد الامتحانات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأخت خديجة عبد الله :
جزاكم الله خيرا .
ربنا يعينك وتقرأين كل ما تريدين وليس فقط جزء واحد من البداية والنهاية .

ذكرتيني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أحب الله عبدا نادى جبريل وقال : يا جبريل إني أحب فلان فأحبه ثم ينادي جبريل في أهل السماء : يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض .

جزاكم الله خيرا يا أختنا .
ــــــــــــــــــــــــــ

جزاكم الله خيرا جميعا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

معاذ عبد الكريم يقول...

انا لله و انا اليه راجعون